احدث المشاهد

هاري بوتر ..منتجون “ليسوا مجانين” ينفقون 68 مليون دولار على مسرحيته


برقم تاريخي جديد، يواصل هاري بوتر إذهالنا، ليس فقط بأحداثه الغرائبية المثيرة، ولكن بأرباحه الهائلة، من بينها 500 مليون نسخة مبيعة من الكتب، و7.7 مليار دولار إجمالي أرباح الأفلام على مستوى العالم. وها نحن أمام رقمٍ قياسي آخر يحققه عبر ميزانية ستكون أكبر من أي مسرحية غير موسيقية على مر التاريخ. فبتكلفة تقدَّر بـ 68.5 مليون دولار، تستضيف مسارح برودواي الشهيرة في نيويورك، مسرحية Harry Potter and the Cursed Child أو “هاري بوتر والطفل الملعون”، والتي بدأت عروضها الأولية، ولكن ستُفتتح رسمياً في 22 أبريل. وتشمل التكلفة 35 مليون دولار مخصصة لرسملة العرض، أي أكثر من ميزانية أي مسرحية غير موسيقية على مر التاريخ، و33 مليون دولار أخرى لإخلاء المسرح وإعادة بنائه. صحيحٌ أنَّ ذلك رهان كبير في صناعة مُعرَّضة للإخفاق، لكنه أيضاً رهانٌ آمن على ما يبدو؛ إذ تُنبئ التوقعات بأن تحقق المسرحية نجاحاً كاسحاً في برودواي، وذلك باستمرار عرضها طويلاً بدرجةٍ يمكنها إدرار الأرباح لسنوات. إذ قال توم فيرتل، المدير التنفيذي لمعهد المسرح التجاري بولاية نيويورك الأميركية، “لا شك في أنَّ ذلك مبلغٌ كبير من المال، قياساً بما تكلِّفه العروض هنا، ولكنه عرضٌ عن هاري بوتر، أحد أشهر الأسماء التجارية في تاريخ العلامات التجارية؛ ومن ثم تتمتع المسرحية باسمٍ نادراً ما نشاهد له مثيلاً في برودواي”. حتى في العروض الأولية، وبينما ما زال فريق العمل يتلمس مواضع قدمه وما زال الفريق الإبداعي يجري تعديلاته، يحقق العرض أرقاماً قياسية في الإيرادات. إذ ملأ عشاق سلسلة هاري بوتر مسرح Lyric – أحد أضخم مسارح برودواي -، وبلغ الإيراد الذي حققته المسرحية خلال الأسبوع الأول من شهر أبريل(خلال العروض الأولية)، والبالغ 1.2 مليون دولار أكبر من أي إيراد حققته أي مسرحية في أسبوع واحد. كُشِف عن قيمة الرسملة القياسية البالغة 35 مليون دولار، وهو المبلغ الذي جُمع من منتجين ومستثمرين لدفع رواتب طاقم كبير بدرجةٍ استثنائية من الممثلين والعاملين بالمسرحية، والتدرُّب على عرضٍ طويل بدرجة غير معهودة، وإنتاج عمل دقيق على نحوٍ غير عادي، في ملفاتٍ قُدِّمت للجنة الأوراق المالية والبورصات. وبالمقارنة مع الأعمال الأخرى، يتضح أن معظم المسرحيات غير الموسيقية في برودواي تتراوح تكلفتها بين 3 و5 ملايين دولار، وحتى أكثر المسرحيات الموسيقية استرعاءً للانتباه نادراً ما تزيد على 25 مليون دولار سقط ضحايا من أجل هذا العرض المذهل في نيويورك؛ إذ أنفقت شركة Ambassador Theater Group البريطانية العملاقة للإنتاج المسرحي، التي تدير مسرح Lyric حالياً، نحو 23 مليون دولار؛ لإقناع شركة “سيرك دو سولي”، التي كانت تُشغِّل المسرح سابقاً، بإنهاء عرض مسرحيتها الموسيقية Paramour وإفساح المجال أمام “الطفل الملعون”، وفقاً لما نقلته الصحيفة عن شخصين على درايةٍ بالصفقة. وأجرت شركة Ambassador Theater Group، التي تنافست مع مالكين آخرين من مالكي مسارح برودواي لعرض مسرحية “الطفل الملعون”، إصلاحاتٍ شاملة لمسرح Lyric بناءً على طلب منتجي المسرحية. فبعدما صار المسرح يشبه حظيرةً غير جذابة (لكونه موطناً سابقاً لسلسلةٍ من الإخفاقات، من بينها عرض مسرحية Spider-Man: Turn Off the Dark التي كلَّفت 75 مليون دولار)، أُعيدت هيكلته ليصبح أشبه بدار أوبرا من الطراز القديم، مع بناء سقف مقبب، وسلسلة من المقصورات و1622 مقعداً (نزولاً من 1896). حتى إنَّ المدخل نُقل من شارع 42 المزدحم إلى شارع 43 الأقل ازدحاماً. ومن المتوقع أن يكلِّف العمل على المبنى نحو 10 ملايين دولار، وفقاً للوثائق المقدمة لإدارة المباني في مدينة نيويورك.. المسرحية، المكوِّنة من جزأين يمتد وقت عرضهما لأكثر من 5 ساعات، تتمة لسلسلة روايات الشباب الخيالية التي كتبتها جوان رولينغ المؤلفة البريطانية التي خلقت شخصية الفتى الساحر. وتدور أحداث “الطفل الملعون” بعد 19 عاماً من زمن أحداث الكتاب الأخير، في وقتٍ أصبح فيه هاري وأصدقاؤه آباء. جديرٌ بالذكر أنَّ المؤلف البريطاني جاك ثورن هو الذي كتب المسرحية استناداً إلى قصةٍ ألَّفها مع جوان والمخرج البريطاني جون تيفاني. أُعِدَت المسرحية في بريطانيا، وبيعت كل تذاكرها بمنطقة وست إند بالعاصمة البريطانية لندن على مرِّ 22 شهراً. وفي العام الماضي (2017)، حازت 9 جوائز أولفييه -المعادل البريطاني لجائزة توني الأميركية بمجال المسرح – من بينها جائزة “أفضل مسرحية”. ومن المقرر افتتاح عرض ثالث للمسرحية في مدينة ملبورن الأسترالية في العام المقبل (2019). والتجول عبر المسرح يُظهر شمعداناتٍ على شكل طائر الفينيق وفوانيس على شكل التنين، وجداراً في الردهة يضم لوحات للباتروناس (حيوانات حارسة فضية من مخلوقات عالم هاري بوتر). نظام الألوان بالمسرح غني وداكن، فمعظم الجدران مطليةٌ بلون مائل إلى الأسود يُسمَّى رمادياً مغبَّراً، مع سجادة مُصمَّمة خصيصاً تُبرز مونوغرامات لحرف H (نسبةً لهوغوورتس مَدرسة هاري الأم). وتضم الواجهة الخارجية المُزخرفة حديثاً أجنحة عملاقة وتماثيل ضخمة لطفلٍ محبوس في عش. وقال كولين كالندر، أحد المنتجين الرئيسيين، مُعلِّقاً على ذلك: “أردنا خلق حالة مزاجية دون تجاوز الحدود والتحول إلى مدينة ملاهي”. وقالت سونيا فريدمان، منتِجة رئيسية أخرى:  “كان من المهم لنا حقاً أن تتمتع الردهات وواجهة المسرح بأجواء عالم هاري بوتر؛ لأن هذه هي بداية تجربة الجمهور”. وأضافت سونيا ، والتي كانت صريحةً في حديثها عن التكلفة العالية للعمل في برودواي، إنَّ المسرحية تكلفت في نيويورك أكثر بكثير من تكلفتها بلندن؛ إذ غالباً ما تزيد تكلفة استئجار العمالة والتسويق والمسرح في نيويورك. و أعربت عن استيائها من ذلك، قائلةً: “أرى أنَّ التكلفة هنا صعبة الاستيعاب، إنه رقمٌ لا يعجبني”. بيد أنَّها قالت أيضاً إنَّ جوانب معينة من “الطفل الملعون” هي ما تجعلها باهظة التكلفة؛ إذ تطلبت المسرحية، المكونة من جزئين، ضِعف الوقت اللازم للتمرين، كما تطلبت المؤثرات الدقيقة المتضمنة في العرض تقنياتٍ كبيرة وتدريباً إضافياً. واستغرق تركيب عناصر العرض في المسرح فقط 16 أسبوعاً. ويعد المال المخصص لرواتب فريق التمثيل وطاقم المسرحية أكبر بكثير من الرواتب المدفوعة في معظم المسرحيات. إذ قال كالندر وسونيا إنَّ الإدارة جمعت طاقماً مكوناً من 220 شخصاً لإعداد ديكورات المَشاهد والإضاءة والأزياء وتركيبها. ويضم العرض 40 ممثلاً، وطاقماً مسرحياً مكوناً من 26 شخصاً، ونحو 16 شخصاً معينين في قسم الملابس والشعر و5 مديرين للمسرح. وقال جوناثان روزنتال (38 عاماً)، الذي يعمل مستشاراً في تكنولوجيا المعلومات، ويديرمجموعةً للقاءات محبي هاري بوتر، والذي شاهد المسرحية ببرودواي في وقتٍ سابق من الشهر الجاري (أبريل): “يبدو لي واضحاً أين ذهبت الأموال، لقد تحول المسرح بأكمله ليتناسب مع العرض، بالإضافة إلى أنَّ مستوى الخبرة الفنية لا يضاهيه أي شيء رأيته في برودواي. يبدو الأمر كما لو أنَّ سحراً يجري على المسرح”. نفِدت معظم تذاكر عرض برودواي بالفعل في شهر مارس 2018، على الرغم من وجود إصدارات دورية للمزيد من التذاكر، من بينها بعض التذاكر المخفضة كل يوم جمعة. وبلغ متوسط سعر تذكرة كل جزء من العرض 164.83 دولار، بينما بلغ أقصى سعر لتذكرة كل جزء 286.50  دولار، وتبلغ تكلفة 300 مقعد لكل عرض نحو 40 دولاراً أو أقل. تجدر الإشارة إلى إمكانية مشاهدة الجزأين في اليوم نفسه أو على أيام متتالية. وبالطبع، ستكون المؤلفة البريطانية جوان رولينغ أحد أكبر المستفيدين. صحيحٌ أنَّ الأوراق الاستثمارية لا تذكر أجرها بالتفصيل، لكنَّها تقول إنَّ “مالك الحقوق الأساسية والمرخص والشركات التابعة لها” -وهم مجموعةٌ تضم جوان- سيحصل مبدئياً على 31% من صافي أرباح المسرحية، وسترتفع هذه النسبة في النهاية إلى 41% بتزايد ربحية العرض. ويمكن لجوان كذلك الاستفادة من المسرحية بطرق أخرى؛ فهي المنتِجة الرئيسية الثالثة للعرض مُمثَّلةً في شركتها هاري بوتر للإنتاج المسرحي. تبدو صفقتها أكثر إدراراً للربح من الصفقات التي تفاوض عليها مؤلفون آخرون كتبوا أعمالاً أدبية تحوَّلت إلى عروضٍ في مسارح برودواي. فعلى سبيل المثال، وقّعت المؤلفة الأميركية الراحلة هاربر لي، قبل وفاتها، اتفاقاً يمنحها 2.5% من الأرباح الصافية، إضافةً إلى حقوق ملكيتها كمؤلفة، نظير تحويل روايتها To Kill a Mockingbird إلى عملٍ مسرحي سيُعرض في المرحلة المقبلة (سيذهب المال الآن إلى تركتها)، في حين يحصل رون تشيرنو، مؤلف سيرة ألكسندر هاميلتون الزعيم الأميركي الراحل، على 1% من إجمالي الأرباح المعدلة لمسرحية Hamilton. ومع ذلك، تُعتبر تلك المقارنات قاصرة؛ إذ يحصل كُتاب الخيال في العموم على حصةٍ أكبر من الأرباح مقارنةً بكُتاب الأعمال غير المبنية على الخيال؛ لأنَّ الروائيين يختلقون شخصياتهم، وهذا ما ينطبق على مسرحية “الطفل الملعون”، فهي غير مبنية على رواية فعلية؛ بل هي قصةٌ جديدة أُلِّفت خصيصاً للمسرح.

(بوست عربي)

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *