احدث المشاهد

تغريدات لفتاتين صغيرتين قد تشعرك بالخوف الذي يحيط بهما بالغوطة


تُمثِّل الشقيقتان الصغيرتان، اللتان تقفان وسط الأنقاض التي خلَّفتها قنابل الغارات الجوية التي لا حصر لها، صورةً للبراءة في مدينةٍ مزَّقتها الحرب، حيث قُتِلَ مئات الأطفال. إذ إنَّ كلاً من آلاء (8 أعوام)، وشقيقتها نور (11 عاماً) مُحاصَرتان في الغوطة الشرقية، وهي واحدة من المناطق القليلة المتبقية تحت سيطرة المعارضة في سوريا، بعيداً عن قبضة قوات الرئيس بشار الأسد، حسبما جاء في تقريرٍ لصحيفة ديلي ميل البريطانية. وقد كشفت منشوراتهما التي تفطر القلب على موقع تويتر للعالم، الواقع المُروِّع للحياة اليومية تحت حملة الغارات الجوية التي لا ترحم، والتي يشنُّها نظام الأسد. تنهمر الدموع على خدّي آلاء في أحد مقاطع الفيديو المأساوية -شُوهِد 150 ألف مرة من جميع أنحاء العالم- لتختلط مع نزيف الدماء التي تتدفَّق من جرحٍ بالقرب من عينها اليُسرى. وبصورةٍ غريزية، تتلمَّس آلاء الجرح وتصرخ. وفي حالةٍ من اليأس تناشد نور العالم الخارجي، صارخةً: “منشان الله، ساعدونا”. كان هجومٌ صاروخي، الشهر الماضي فبراير ، قد دمَّر شقة عائلة آلاء وأُصيبَت بالعمى تقريباً عندما حطَّم الانفجار النوافذ وأمطرها بقطع من الزجاج المُهشَّم. وفي سلسلةٍ من المنشورات المُروِّعة، منذ نوفمبر الماضي، تتوسَّل الفتاتان دون جدوى، طلباً للسلام. وتستجدي نور العالم وعيناها تذرفان الدموع بالقول: “أنقذوا الغوطة”. في حين تتساءل آلاء ممسكةً دميتها المُفضَّلة: “لماذا لا يتوقَّف القصف؟”. ووفقاً لوكالات الإغاثة، قُتِلَ أكثر من ألف شخص في الغوطة الشرقية، منذ منتصف فبراير الماضي، وأُصيبَ 4800 آخرون. وتُعدُّ الغوطة حالياً “جحيماً على الأرض” للأطفال، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). وهناك عددٌ هائلٌ من التقارير التي تتحدَّث عن شنِّ النظام هجماتٍ بأسلحةٍ كيماوية في تحدٍّ للقانون الدولي. معظم القتلى من المدنيين، وضحايا للغارات الجوية على الأحياء التي يتَّخذها الجهاديون والجماعات المعارضة للأسد ملجأً لهم. وقد فقَدَ أصدقاء نور وآلاء أرواحهم أيضاً. ويكشف أحد مقاطع الفيديو التي نُشِرَت على حسابهما على موقع تويتر، أنَّ والدتهما، شمزة خطيب، وهي مُعلِّمة لغة إنكليزية، تترك كرسياً فارغاً أمام فصلها الدراسي لفتاةٍ تسمى بسمة، قُتِلَت في قصفٍ لغارةٍ جوية. وكشفت شمزة في حديثٍ حصري من الغوطة الشرقية لصحيفة ذا ميل أون صنداي البريطانية، كيف أنشأت حساب نور وآلاء على موقع تويتر، في محاولةٍ يائسة لكشف مدى معاناة العديد من الأطفال بسبب القصف. وتطالب شمزة الحكومتين البريطانية والأميركية بممارسة ضغطٍ دبلوماسي على روسيا، الحليف الرئيسي للأسد، من أجل التوصُّل إلى وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار. وحتى بينما كانت تصف شمزة معاناة بنتيها، تعرَّض حيَّها لقصفٍ جوي. وكان من الممكن سماع صوت الطائرات، وهي طائراتٌ عسكرية وفقاً لشمزة، وقد اضطرت إلى إنهاء الاتصال. وبعد الخروج من ملجأ للحماية من القصف، تقول شمزة: “العالم يُشاهد فحسب، ولا يفعل أي شيء، أو يقوم بأي تحرُّك. لا أستطيع فهم ذلك”. وأضافت: “كم عدد الأطفال الذين يجب أن يموتوا؟ رجاءً، رجاءً، أنقذوا أطفال الغوطة قبل فوات الأوان”. وتابعت: “هذا هو السبب وراء إنشاء حساب للفتاتين على موقع تويتر، بسبب أنَّ العالم كان يتجاهل ما يحدث في الغوطة. اعتقدت أنَّ على الناس أن يهتموا بالأطفال، لأنَّهم أبرياء”.  وقالت: “لذلك بدأت في التسجيل لنور وآلاء، في محاولةٍ لنشر نموذج للحياة العادية، لكن، كما توضح مقاطع الفيديو، العادي بالنسبة لنا ليس عادياً بالنسبة لكم. فالعادي هنا هو انتظار سقوط القنبلة على شقتك، وسماع بكاء الأطفال بسبب خوفهم من الطائرات الحربية ومن الجوع والعطش”. تقول شمزة: نحن الآن قد تلقينا رسائل دعمٍ من الأطفال من جميع أنحاء العالم وقد شُوهِدَت بعض تسجيلاتنا 250 ألف مرة. إنَّ ذلك يقوِّي نور وآلاء كي تعرفا أنَّ لديهما أصدقاء بعيدين عنهم لكنَّهم يهتمون لأمرهم”. وتضيف: “لكن لا يزال التساؤل، لماذا لا يقوم السياسيون في بريطانيا والولايات المتحدة بوقف هذا؟”. وعند هذا الطلب بدأ صوت شمزة بالتقطُّع وانتهت مكالمتنا. ولاحقاً، عاوَدَت الاتصال للاعتذار، قائلةً إنَّ الطائرات عادت، وإنَّ جميع العائلات التي كانت في الشارع اتخذت لها ملجأً. وبينما كانت تتحدَّث، كانت هناك نبرةُ يأسٍ في صوتها، كما لو كانت تفقد الأمل في أن تتمكَّن هي وبنتاها من النجاة من هذه الحرب، التي لا يبدو أنَّها ستنتهي أبداً. وعلى النقيض من ذلك، عبَّرت أولى منشورات آلاء ونور بعد العودة في نوفمبر الماضي عن مزيدٍ من التفاؤل. وكان وجه آلاء حينها متعافياً، وفي وقتٍ مُبَكِّرٍ من يوم شتاء مشرقٍ قدَّمت آلاء وشقيقتها نفسيهما إلى مستخدمي الشبكة الاجتماعية حول العالم. وكانت أولى كلمات آلاء: “اسمي آلاء وعمري 8 سنوات. نريد أطفال العالم أن يكونوا معنا”. ويمكن سماع صوت الطيور وهي تغني، في حين كانت نور تقدِّم نفسها بالقول: “اسمي نور، وعمري 10 سنوات. وسنحاول مشاركتكم حياتنا اليومية على هذا الحساب”. وأضافت: “على مرِّ الأربع سنوات الماضية، نعيش تحت الحصار. نريد الذهاب إلى المدرسة. ونريد أن نلعب”. قدَّمت التحديثات في حسابهما على موقع تويتر خلال الأيام والأسابيع التالية أصدقاءهما إلى متابعي حساب نور وآلاء. وكانت وجوههم وملابسهم دائماً متسخة بسبب أنَّهم يعيشون في بقايا المباني التي قُصِفَت. ومع ذلك يُحافظ الأطفال على الشعور الطبيعي بالمرح والسعادة بالمتع البسيطة، مثل إكمال آلاء للعبة جيغسو بازل، وقيام نور بإعداد الخبز على موقد جدتها. وبالعودة إلى بداية نوفمبر الماضي، كانت الفتاتان قادرتين على الذهاب إلى المدرسة. وقد عرضت بعض مقاطع الفيديو نور وآلاء وهما يكتبان رسائل على سبورةٍ بيضاء أمام فصلهما الدراسي، قائلتين: “نريد أن نتعلَّم بدون قصف”، و”ساعدونا، كونوا صوتنا”. لكن مع حلول الشتاء، يبدو أنَّ وضع آلاء ونور صار غامضاً. فحالياً من الخطر جداً عليهما الذهاب إلى المدرسة، بالإضافة إلى أنَّ المنتجات الطازجة بدأت في النفاد من المتاجر المحلية، لذلك لم يعد هناك موزٌ أو تفاح للشقيقتين. ويموت حالياً الكثير من أصدقائهما في الغارات الجوية، وبعد وفاة جارتهما صباح وابنتها سيدرا، غرَّدت شمزة، والدة الفتاتين، على تويتر بالقول: “إننا نفتقدها (صباح)، إننا نكره الموت، نكره الحرب”. وفي اليوم العالمي للطفل، 20 نوفمبر 2017، احتفلت نور وآلاء بهذه المناسبة بنشر تسجيل لهما وهما تحملان لافتات تقول: “رسالةٌ من أطفال الغوطة المحاصرة إلى أطفال العالم: نحن نكره الحرب”. ليخترق صمتَ خلفية الفيديو هديرُ المحركات النفاثة للغارات الجوية؛ هديرٌ اعتاده أطفال الغوطة للأسف! لتُسارع الشقيقتان بالاحتماء من الغارة الجوية، ويتوقَّف التصوير بغتةً. وفي منشوراتهما لشهر ديسمبر 2017، قدَّمَت نور وآلاء لمتابعيهما الصبي محمد، وهو صبيٌّ صغير في الثامنة من عمره يبيع السجائر ليجني أموالاً إضافية لمساعدة أسرته. وأقامت الشقيقتان معرضاً فنياً، عرضتا فيه رسوماتهما ورسومات أصدقائهما. وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان، 10 ديسمبر 2017، سجَّلَتا مقطع فيديو ناشدتا فيه الأمم المتحدة بضرورة إحلال السلام في بلادهما. بعدها بثلاثة أيام فقط، لقي والد صديقتهما إسران مصرعه في إحدى الغارات الجوية. بعد ذلك، في 21 ديسمبر 2017، نشرت الشقيقتان مقطع فيديو لطفلة أصيبت بإصابات شديدة في الرأس في غارة جوية، مع تغريدة قالت فيها والدتهما شمزة: “لمار فتاة عمرها عامان، أُصِيبَت بكسر في الجمجمة وبحاجة إلى الرعاية الطبية والغذاء والدواء”. وفي عيد الميلاد المجيد لعام 2017، استحضرت شمزة روح المحبة والسلام، التي اشتهر بها مغني فرقة البيتلز الأميركية جون لينون، في تغريدةٍ قالت فيها: “تخيَّلوا لو أن العالم كله كان يعيش في سلام”، على غرار كلمات أغنية Imagine الشهيرة. وفي الوقت نفسه، كانت نور وآلاء منشغلتين بتزيين شجرة عيد الميلاد وسط أطلال المباني التي تعرَّضت للقصف، في مقطع فيديو يعد خير دليل على قوة شخصيتهما؛ لأنهما أصرَّتا على الاحتفال بعيد الميلاد بإقامة مأدبة عشاء مكونة من لحم الدجاج، حتى في ظل المعاناة التي تقاسيانها. تجدر الإشارة إلى أن سكان الغوطة الشرقية يعانون من نقص حاد في الغذاء والدواء، منذ أن بدأت الحكومة السورية بشن هجماتها على المدينة في عام 2013. وقد شنَّ النظام السوري، الشهر الماضي، فبراير 2018، عملية هجومية مُوسَّعة لاستعادة السيطرة على المنطقة، ونجح في استعادة السيطرة على نصف المنطقة منذ ذلك الحين، حسبما أفادت التقارير. هذا، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المُحاصَرين في المنطقة يبلغ 400 ألف شخص تقريباً. وكثَّف الجيش السوري الأحد ، هجماته على المنطقة بمزيجٍ من العمليات البرية والجوية، وفقاً لمصادر تابعة للحكومة السورية. وقد عرض التلفزيون السوري تسجيلاتٍ لأعمدةٍ ضخمة من الدخان الأسود تتصاعد خلف البيوت والأشجار في الغوطة الشرقية، مصحوبةً بأصوات إطلاق نار ومدافع في الخلفية. على أن الرئيس السوري بشار الأسد وسوريا يريان أن هذه الحملة العسكرية ضرورية لإنهاء قصف المتمردين للعاصمة السورية دمشق، الواقعة بالقرب من مدينة الغوطة، الذي أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى المدنيين، وأيضاً لإنهاء حكم المتمردين الإسلاميين على المدنيين في المنطقة. تتبع تلك العملية الهجومية النمط ذاته الذي اتبعته الهجمات السابقة على معاقل المتمردين: إرسال قوات جوية ضخمة، وتشديد الحصار على المدن لإجبار المتمردين على القبول باتفاقات الجلاء، التي تشمل التنازل عن مناطق سيطرتهم مقابل العبور الآمن لمناطق المعارضة في شمال غربي سوريا. لا شك أن أطفال تلك المدن قد شهدوا الكثير من المعاناة من جراء الاشتباكات الأخيرة بين القوات الحكومية والمتمردين، إذ نشر حساب الأختين نور وآلاء على موقع تويتر في آخر تحديث له تغريدة، تظهر فيها الشقيقتان مُلتَحفِتَين بقبعاتٍ وأوشحةٍ صوفية، وجالستين حول موقد مؤقت على أرضية مغطاة بالأتربة، في أحد الملاجئ المحصنة ضد القنابل، في محاولة للحصول على الدفء، مع تعليق كتبته أمهما يقول: “معظم الناس هنا يعيشون ويعدّون الطعام تحت الأرض (في الأقبية)”. من جانبهما، وجهت الشقيقتان نور وآلاء، ليلة الأحد الماضي، رسالةً إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ناشدتاهما فيها بإنقاذهما، حيث قالتا: “سيادة الرئيس، باسم أطفال الغوطة المحاصرة، نحن في خطر داهم، وفي يدكم فعل شيء ما لإنقاذنا؛ فرجاءً لا تتخلَ [كذا] عنّا”. أما والدتهما شمزة، فقد نشرت ليلة أمس تغريدةً نفت فيها نفياً قاطعاً أن يكون حسابهما على موقع تويتر سياسي التوجه، وشدَّدَت على أنها لا تريد سوى السلام من أجل عائلتها، وهو ما جاء مناقضاً لرسالة ابنتيها إلى الزعماء الدوليين. فقد قالت شمزة: “نحن لا نؤوي الإرهابيين، ولسنا متورطين في أي حملات”. وأضافت: “نحن فقط نوجه رسالة تضامن مع أطفال العالم، على أمل أن يؤدي هذا إلى إيقاف القصف الذي نتعرَّض له؛ فالوضع في الغوطة صعب للغاية”. واختتمت تغريدتها بقول: “جلّ ما نريده هو أن يسمع العالم مناشداتنا. وكلنا أمل في أن يقف أصدقاؤنا إلى جوارنا”.

(هاف بوست)

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *